السعيد شنوقة
149
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
معلّقة به زمن تحركه . ولما كان من غير الجائز أن تعلق الرؤية باستقرار الجبل لأن الجبل قد استقر ولم ير موسى عليه الصلاة والسلام ربّه ، فإنه يلزم أن يكون علّق الرؤية بالجبل وقت تحركه ليبين عز وجل بهذا أن الرؤية مستحيلة عليه مثلما هو مستحيل أن يستقر الجبل وقت تحركه « 1 » . وقدم المعتزلة دليلا آخر على نفي الرؤية . قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ [ النساء : 153 ] ، « بظلمهم : بسبب سؤالهم الرؤية ولو طلبوا أمرا جائزا لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى ، فلم يسمّه ظالما ولا رماه بالصاعقة » « 2 » . ولعل المحصل من هذا هو أنّ الخلاف بين المعتزلة ، وأهل السنة هاهنا لا يمكن فيمن أحسن تأويل الآيات السابقة أو أخطأ ، وإنما المسألة الجوهرية بينهما تتعلق بحقيقة الرؤية التي يبنيها المعتزلة على تأسيس علمي أصح ، فهي عندهم تستدعي المقابلة ، والمقابلة تستدعي الجهة ، والجهة توجب كونه جوهرا « 3 » أو عرضا ، وليس الله تعالى مقابلا أو حالا في المقابل ولا في حكمه لأن في المقابلة والحلول والجهة مناسبة للأجسام والأعراض ، والله سبحانه منزه عن أن يكون كذلك . غير أنه من حقنا أن نتساءل حين ندرك أن الرؤية عند الأشاعرة لا تقتضي اتصال شعاع بين الرائي والمرئي ، هل هذا يرقى إلى نفي حجة المعتزلة القائمة على أن الشيء إذا كان مرئيا كان محدودا ؟
--> ( 1 ) انظر القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص ، 189 وكذا الزمخشري ، الكشاف ، ج 2 ، ص ، 114 وكذا أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 3 ، ص ، 27 وكذا د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 198 - 199 . ( 2 ) الكشاف ، ج 1 ، ص ، 577 غير أن ابن المنير ردّ على الزمخشري قائلا : " أن ظلمهم مسبب عن اقتراحهم لا عن كون المقترح ممتنعا عقلا " ، وبهذا ينتصر هو الآخر لأهل السنة الذين يجوّزون الرؤية : الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 577 . انظر الترمذي ( ت 279 ه ) ، الجامع الصحيح سنن الترمذي ، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، ج 1 ، ص 692 . ( 3 ) الجوهر على أصول المتكلمين : المتحيّز ، والجوهر : بسيط ومركب ، البسيط لا يقبل التجزؤ . والمركب مؤلف من جوهرين فردين فأكثر . والعرض : الموجود في موضوع . وقيل : الجوهر : ما يقبل التحيّز . والعرض : ما لا يقوم بذاته بل بغيره . انظر د . عبد الأمير الأعم ، الفيلسوف الآمدي ، دراسة وتحقيق ، دار المناهل ، بيروت ، ط 1 ، 1987 ، ص 110 - 111 ، وكذا زكريا بن محمد زكريا الأنصاري أبو يحيى ، ( ت 826 ه ) ، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة ، ص 71 .